أخبارثقافة عالمية

تطوان .. و”مسار سرفانتس” كاتب إسبانيا الأشهر

إذا كانت بك رغبة لزيارة إشبيلية وغرناطة، ولم تستطع إلى ذلك سبيلاً، يجدر بك أن تزور مدينة تطوان المغربية، فهي ذات هندسة معمارية سلسة جمالياً ووظيفياً، باللونين الأخضر والأبيض، وهي الأندلس مستعادة مغربياً.

تتألف المدينة من ثلاثة أقسام: المدينة الحديثة وتقع خارج أسوار المدينة القديمة الأندلسية، وتتميّز بشوارعها الفسيحة ذات الفضاء البصري، والجبال التي يمكن مشاهدتها من أي مكان، فضلاً عن الحدائق، والمباني الحكومية باللون الأخضر التطواني الشهير.

أما القسمان الآخران، فهما المدينة القديمة الأندلسية، والإسبانية التي شيّدها الاستعمار الإسباني يومذاك. واللافت في تطوان، هو فضاؤها البصري التشكيلي، إذ يشير إلى تعاون أو تخادم ما بين مكوّناته، من الأقواس والبوابات والشوارع الحديثة والعمارة الإسبانية، بمعنى عدم وجود نشاز معماري يسبّب تشويهاً بصرياً.

بُنيت تطوان على سفح الجبل، ما سهّل تشييدها من الحجارة والصخور قديماً، أي أن السفح والجبل، قد شكّلا أفقها البصري ومادة بنائها.

أزقة تطوان الداخلية - الشرق
أزقة تطوان الداخلية – الشرق

مسار كاتب إسبانيا الأشهر.. سرفانتس في تطوان

هناك جدارية من السيراميك، تشير إلى “مسار سرفانتس في تطوان” رمز التلاحم التاريخي والإنساني بين إسبانيا والمغرب، وخصوصاً تطوان.

“الشرق” تحدثت مع الكاتب والشاعر باللغة الإسبانية الفاتحي عبد الرحمن، رئيس شعبة الدراسات الإسبانية في جامعة عبد المالك السعدي، عن هذا المسار، فأوضح أنه عبارة عن مسار ثقافي أدبي تخييلي وتاريخي يمرّ عبر أماكن بالمدينة العتيقة، وضعت فيها لافتات تشير إلى أن هذا المكان أو ذاك، قد ألهم سرفانتس في أعماله الأدبية المختلفة، مثل رواية “دون كيشوت”، و”السلطانة العظيمة”، وروايات أخرى.

أضاف: “اقترحت فكرة المشروع، ثمّ أطلقناه عام 2015 بالتعاون مع القنصلية الإسبانية و”جماعة تطوان”، في الذكرى 400 لنشر الجزء الثاني من رواية “دون كيشوت دي لمنشا” للكاتب الإسباني سرفانتس.

جدارية "مسار سرفانتس في تطوان" - الشرق
جدارية “مسار سرفانتس في تطوان” – الشرق

“دون كيشوت لمنشا” في جزأين (1605- 1615)

قُدّمت رواية دون كيشوت في الفنون التشكيلية، والمسرح والسينما والموسيقى بأشكال متنوّعة، وأصبحت مثالاً لمناطحة طواحين الهواء، كناية عن العبث أسوة بأسطورة سيزيف.

يريد الفارس دون كيشوت تحقيق العدالة والمساواة، فيمرّ بمغامرات لا تخلو من الفكاهة والتراجيديا، كما يورّط خادمه بنتائج جولاته وصولاته.

انتهى دون كيشوت بتخيّلاته إلى اعتباره طواحين الهواء شياطين الشر، وعليه مقاتلتها. ولكن، ها هي الطواحين تطيح به، ويصاب بالكسور والرضوض. في ذلك الوقت، يسترجع شخصيته الحقيقية، مغادراً شخصية الفارس التي تقمّصها.

ثمّة آراء كثيرة تُرجع شخصية الفارس في الرواية إلى أصله العربي المغربي تحديداً، وهكذا، نرى الأندلس حاضرة في أشهر رواية في الأدب الإسباني.

وقد اعتبرها الكاتب عبد الرحمن بدوي، من أشهر ملاحم الأدب العالمي، أسوة بالكوميديا الإلهية لدانتي، الإلياذة لهوميروس، وفاوست للألماني غوته.

وقال عنها الكاتب المغربي عبد الفتاح كيليطو: “إنها كتاب إسبانيا بامتياز. تذهب الرواية إلى مغادرة حقبة زمنية بأخلاقها ومبادئها المعيارية، واستقبال أخرى جديدة بكل تفاصيلها، دخولاً في عصر الأنوار، واجتراح أسلوب جديد للسرد الروائي”. وهكذا اعتبرها النقاد أوّل رواية أوروبية حديثة.

تطوان في أدب سرفانتس

تبدو مدينة تطوان وكأنها لا غنى عنها للروائي الإسباني الشهير، مخلّداً إياها في مؤلفاته. يقول عبد الرحمن الفاتحي “أربع عشرة مرة ذَكرَ سرفانتس اسم مدينة تطوان العتيقة ومطاميرها الشهيرة، أي السراديب والسجون تحت الأرض، ووصفَها بدقّة. كذلك وصف سواحلها من سبتة إلى مرتيل”.

أضاف: “انطلق مسار سرفانتس في رحلة من وحي القرن السادس عشر من باب العُقلة، ليمرّ بالمدينة العتيقة عبر الأبواب التاريخية السبعة. الخيال الأدبي لهذا الكاتب الإسباني الكبير مرّ عبر المدينة العتيقة، ومن الساحل التطواني تأكيداً على أهميتها في القرن السادس عشر”.

(ثمّة مَنْ يرجّح أن سرفانتس سُجن هناك، أو سمع شهادات حول السراديب، من أحد السجناء، ولكن لا توجد وثيقة تدلّ على ذلك). الجدير ذكره، أن الشاعر لوركا زار تطوان في مهمّة دبلوماسية، كما ذكرها الرحّالة الأوربيون والشعراء الإسبان.

معهد سرفانتس في تطوان - tetuan.cervantes.es
معهد سرفانتس في تطوان – tetuan.cervantes.es

الفضاء البصري لمدينة تطوان العتيقة 

تضمّ المدينة سبعة أبواب، بدءاً من باب العُقلة وانتهاء بباب المقابر ن الذي يقع خارج أسوار المدينة القديمة. يقول المثل التطواني، “لا نخرج من تطوان إلا من باب المقابر”، كناية عن التعلّق الشديد بها، وقريباً من الباب المذكور، يوجد “دار الدِباغة”، حيث تُدبغ الجلود ثم تُصبغ، وهي في أقل مساحة من دِباغة فاس الشهيرة جداً.

تعطي الأقواس الموجودة في زقاق واحد، هيئة بصرية معمارية للمدينة، فهي تحافظ على دعائم البيوت المشيّدة فوقها، كما تعرقل سقوفها الواطئة المنحنية، حركة الجند والعربات في حال اجتياح المدينة.

تزخر الجوامع والعمارة الإسلامية بالأقواس، وفي تأويل احتفاظ العرب بتاريخية الأقواس وهندستها، هناك رأي يقول “إن أوّل قوس في التاريخ، لا يزال موجوداً، وهو في مدينة أور السومرية”.

سوسيولوجيا الفن: تنسيق المهن والحرف 

تنتشر في المدينة القديمة باحات كثيرة يقال لها “التربيعة”، تجمع كل واحدة مجموعة من المهن والحرف، كالسراجين، والغرازين. كما تنتشر “السقّايات” (نحو 200 سقّاية) مخصّصة لشرب الماء والوضوء، ولكن يُهدر ماؤها الآتي من الجبال عبثاً، ولا يُستفاد منه لاحقاً. وهي مزيّنة بالموزاييك “الزليج” التطواني، المختلف في أنواعه وهندسته عن مدينة فاس ومراكش.

جلّ أهل تطوان من الموريسكيين الذين هجّروا قسراً بعد سقوط الأندلس، يتكلمون اللغة الإسبانية، ولديهم ثقافة إسبانية في مجالات عدّة.

المدينة القديمة: ثاني أكبر مدينة عتيقة مأهولة في المغرب بعد فاس

اقترح علينا الصديق الشاعر والصحفي ومسؤول “دار الشعر” في تطوان، مخلص الصغير، زيارة المدينة من باب العُقلة، كناية عن المكان، حيث كانت تُربط الدواب قديماً، وهناك مَن يصله بـ “العقلاء”.

قال ضاحكاً، يعود لقبي إلى الأمير أبي عبد الصغير، آخر ملوك غرناطة. ويشرح أن عوائل كثيرة في تطوان، تحمل ألقاباً أندلسية، منها الغرناطي، المنظري، القرطبي، حزمون، بنميمون، الميموني، القسطلي، فضلاً عن عائلات أندلسية بأسماء إسبانية مثل لوقش/ لوكاس، الطريس/ Torres، قشتيلو، جنينو وسواها.

أبو عبد الله الصغير، هو آخر ملوك غرناطة، وهو مَنْ سلّم المدينة إلى فرديناند وإيزابيلا في 2 يناير 1492، من دون قتال، ووفق معاهدة تحفظ البلاد والعباد.

يطلق على المكان الذي ألقى منه نظرته الأخيرة على غرناطة، بحسب الرواية الشعبية “زفرة العربي الأخيرة”، إذ قالت له أمّه “ابكِ مثل النساء مُلكاً مُضاعاً، لم تحافظ عليه مثل الرجال”. وقد خلّد الفن التشكيلي حادثة تسليم غرناطة بلوحات كثيرة، من هنا نعرف، مدى أهمية الأندلس إلى إسبانيا.

المدينة الإسبانية في تطوان: زخارف وواجهات وطلاء ذهبي

هي مدينة عصرية ذات شرفات حديثة ونقوش وزخارف إسبانية، تشبه واجهاتها الكنائس. يُستعمل أحيانا التذهيب في بعض عماراتها التقليدية، وهو ميزّة للعمارة الإسبانية، في اختلاف واضح عن المدينة القديمة إجمالاً، ذات المشربيات والنقوش الخشبية والجصّية، والآيات القرآنية.

المصدر : الشرق

إغلاق