مقالات وبحوث
مع كتاب د. محمَّد يعقوب تركستانيّ: وقفاتٌ وقراءاتٌ في هواجسِ الضَّبْطِ

بقلم: عبدالعزيز قاسم
اعلامي وكاتب صحفي
أكرمني الأستاذ الدُّكتور محمَّد يعقوب تُركستانيّ بإهدائي كتابه القيّم: “في علم الخط العربي”، بنسخته الإلكترونيَّة، وبالطبع سعدتُ أيما سعادة، فالمؤلّف عالِمٌ لغويٌّ وباحثٌ سعوديٌّ بارزٌ، يُعَدُّ منْ أعلام اللُّغة والتُّراث في المملكة العربيَّة السُّعوديَّة.
هُنا رابطُ الكتابِ لمَنْ أرادَ تحميلَهُ أو مُطالعتَهُ:
https://library.ksaa.gov.sa/index/book/60
المؤلف كرَّس مسيرته الأكاديميَّة التي تمتدُّ لأكثر من أربعينَ عامًا لخدمة اللُّغة العربيَّة دراسةً وتحقيقًا وتأصيلًا، وكتبَ الله لي مزاملته في صحيفة المدينة الغرَّاء، حيث كان مُشرفًا على ملحق التُّراث الشَّهير، الذي كان يحظى بمتابعة أباطرة ومحبّي لغة الضَّاد.
يُقاس وزن الكتاب بقامة مؤلّفِهِ؛ فكيفَ إذا كانَ المؤلّفُ جبلًا منْ جبالِ العربيَّةِ!
سأبحر معكم في هذا الكتاب، وستلاحظون بما لحظته وأنا أقرأ كتاب د. تركستانيّ أنَّه ألّف الكتاب مدفوعًا بقناعةٍ راسخةٍ، مفادها أنَّ “الضَّبْطَ الكاملَ” ليسَ ترفًا أو زينةً للكتابة العربيَّة، بلْ هو ضرورةٌ حتميَّةٌ لضمانِ سلامة اللُّغة ودقَّة تمثيلها للمنطوق.
ويرى أنَّ إهمال الحركات في الكتابة المُعاصرة قدْ أفضى إلى إشكالاتٍ عميقةٍ، أبرزها اللَّبس والغُموض في فهم النُّصوص، وتعدُّد احتمالات قراءة الكلمة الواحدة، ممَّا يُبطئُ عمليَّة القراءة ويُقلّلُ من مُستوى الاستيعاب، لا سيَّما لدى النَّاشئة.
قال بلا مواربةٍ إنَّ دافعيَّته الأساسيَّة كانت في إثبات حقيقةٍ لُغويَّةٍ جوهريَّةٍ أقرَّها القُدماء، وهي أنَّ “الحركةَ حرفٌ”؛ شأنها شأن بقيَّة الحروف الهجائيَّة. ولإرساء هذه الحقيقة، يستعرض بإسهابٍ ظاهرة “المُثلَّثات اللُّغويَّة”، التي يتغيَّر فيها معنى الكلمة تغيُّرًا جذريًّا بمُجرَّد تغيير حركةٍ واحدةٍ، ممَّا يُؤكّدُ أنَّ الحركات ليستْ فضلةً يمكن الاستغناء عنها.
باختصار: يُعيدُ الكتاب للحركة اعتبارها المفقود؛ مُثبتًا أنَّ دقَّة اللُّغة تسكن في تفاصيلها الأصغر، وأنَّ تجاهل الصَّغير يُفقِدُ الكبير قيمته.
د. تركستانيّ عَلَمٌ معروفٌ في الوسط العلميّ اللُّغويّ على مستوى العالم العربيّ برمّته، ويشتهر عنه حرصه الشَّديد على سلامة اللُّغة، وهو في الكتاب يُبدي قلقه من تدهور المَلكة اللِّسانيَّة في العصر الحديث؛ مُؤكّدًا أنَّه في غياب وسيلة “السَّماع الحِسِّيّ” الصَّحيح للُّغة الفُصحى، وطُغيان العامِّيَّات، فإنَّه لمْ يتبقَّ سوى الكتابة المضبوطة ضبْطًا كاملًا لتكونَ النَّموذج الموثوق الذي يحفظ النُّطق السَّليم.
ومنْ ثمَّ، فإنَّ هدفه هو الرُّجوع إلى منهج القُدماء في العناية الفائقة بضبْط النُّصوص، ورفض الدَّعاوى التي تُهوّنُ من شأن الضَّبْط الكامل بحُجَّة الصُّعوبة أو الاكتفاء بسياق الكلام.
إنَّه يسعى إلى أنْ تكونَ الكتابة العربيَّة مرآةً صادقةً وأمينةً للمنطوق، لا كتابةً ناقصةً تتطلَّبُ أنْ “تُفْهَمَ لِتُقْرَأَ”، بلْ كتابةً واضحةً “تُقْرَأُ فتُفْهَمُ” مُباشرةً.
باختصارٍ أيضًا: هي محاولةٌ لتحنيطِ النُّطقِ الصَّحيحِ في جسدِ النَّصِّ المكتوبِ، خشيةَ اندثارِهِ في ضجيجِ العامِّيَّاتِ.
وقبل أنْ أُبديَ بعض رأيي، دعوني أعترفُ ابتداءً أنَّ تخصُّصي هو في علم الرِّياضيَّات، وليس في اللُّغة العربيَّة التي أعشقها من نعومة أظفاري، نادمًا أشدَّ النَّدم أنَّني لمْ أتخصَّصْ في المجال الذي أعشق، ولهذا، فما أكتبه هنا، بكلِّ صدقٍ، شخبطاتُ عاميٍّ يحطبُ بليلٍ أمام قامةٍ علميَّةٍ رفيعةٍ؛ لهذا أتمنَّى من أ.د. تركستانيّ أنْ يتَّسع صدره لي.
أحيانًا، يُضيءُ سؤالٌ منْ حقلٍ بعيدٍ زاويةً لمْ يصلْها ضوءُ الاختصاصِ نفسِهِ… هكذا أقنعتُ نفسي لأكتبَ هذه المُداخلة.
من وحي تخصُّصي، كنتُ أتساءل، وأنا أتقافز بين سطور المُلخَّص الذي أكرمني به المؤلّف، والتي تربو على خمسين صفحةً كاملات: ما الذي يُضيفه هذا الكتاب للمكتبة العربيَّة؟
كانَ هذا هاجسي وأنا أقرأ، وشعرتُ أنَّ هذا الكتابَ أضاف للمكتبةِ العربيَّةِ قيمةً نوعيَّةً تتجاوزُ مجرَّدَ كونهِ بحثًا لغويًّا، فهو يُمثّلُ مشروعًا فكريًّا ومنهجيًّا في وقتٍ تحتاجُ فيهِ اللُّغةُ إلى دفاعٍ مُؤصَّلٍ عنْ أصولها.
أيضًا، الكتابُ، برأيي، يقوم برسالةٍ نبيلةٍ عبرَ إحياء الدَّعوة إلى الدِّقَّة اللُّغويَّة، وبمعنًى أوضح؛ هو أقرب ما يكون ببيانٍ علميٍّ ضدَّ التَّساهل اللُّغويّ، برؤيته بالطبع، في زمنٍ شاعَ فيهِ إهمال الضَّبْط بدعوى التَّيسير أو الاكتفاء بالسِّياق.
ومن فرط حماسته لهاته القضيَّة، هو لا يكتفي بسردِ القواعد، بلْ يَبني حُجَّةً متكاملةً ومُقنعةً تُثبتُ أنَّ الضَّبْطَ الكاملَ ليسَ خيارًا، بلْ هو ضرورةٌ للحفاظِ على جوهرِ اللُّغةِ ومنعِ اللَّبسِ والتَّحريفِ في المعنى.
بالطبع ثمَّة إضافاتٌ هامَّةٌ للكتاب يعرفها المتخصِّصون، غيرَ أنَّني سأتطفَّلُ وأطرحُ وجهة نظري في مسألة التَّساهل، فأنا من دعاة ذلك، مصطفًّا خلف مجموعةٍ من اللُّغويين، وربَّما يأتي اللُّغويّ الإعلاميّ الشَّهير عارف حجاوي في مقدّمتهم، وقدْ رأيتُ الهوَّة تتَّسع بدرجةٍ مخيفةٍ بين الأجيال الجديدة ولغتنا الخالدة.
وأتذكَّر أنَّني طرحتُ، في مجموعة الدُّكتورة الخلوقة خديجة الصبَّان بالواتساب، مسألة إضافة حرف الياء للمخاطبة بدلًا من الكسرة، التي تُزعج أيَّ كاتبٍ في البحث عن زرّها في الجوَّال أو الحاسب. دعوتي أتتْ كنوعٍ من التَّخفيف على منْ يكتب، وعلَّق أستاذنا الكبير د. عبدالله الغذَّاميّ في تويتر وقتها بعدم ممانعته ذلك، غيرَ أنَّ الأصوات المعارضة جُوبهتْ الفكرة بحُجَّة أنَّ ذلك سيفتح بابًا لا يُغلق، ستؤول نهايته إلى تمييع لغة القرآن الكريم.
أودُّ القول هنا: الدِّفاعُ النَّبيلُ عنِ القلعةِ قدْ يعزلُها عنِ العالمِ الذي وُجِدَتْ أصلًا لخدمتِهِ وحمايتِهِ.
ومن هنا أنتقل إلى الثَّغرة الأكثر وضوحًا في الكتاب، والتي تكمن في الجانب العمليّ. فأستاذنا د. تركستانيّ يدعو إلى ضبْطٍ كاملٍ ودائمٍ، إلا أنَّ هذا، من وجهة نظري، مطلبٌ يتعارض مع طبيعة الاتِّصالات الحديثة السَّريعة، وسأقف هنا أمام مثالين:
الكتابةُ الرَّقميَّةُ: في عصرِ الرَّسائلِ الفوريَّةِ والبريدِ الإلكترونيِّ ومنشوراتِ التَّواصلِ الاجتماعيِّ، يُشكّلُ الضَّبْطُ اليدويُّ الكاملُ عبئًا زمنيًّا وجهدًا كبيرًا قدْ يُنفّرُ المستخدمينَ من الكتابةِ بالفصحى، ويدفعهم أكثرَ نحو العامِّيَّةِ أو “العربيزي”، بما شاع هذا المصطلح مؤخَّرًا، لسهولتها.
الكتابةُ الإبداعيَّةُ والصَّحفيَّةُ: قدْ يرى الكُتَّابُ المحترفونَ أنَّ الضَّبْطَ الكاملَ يُقيّدُ سلاسةَ الكتابةِ ويُبطئُ وتيرةَ تدفُّقِ الأفكارِ.
إنَّ الحلَّ الذي يطرحهُ الكتابُ، رغمَ مثاليتِهِ، قدْ لا يكونُ واقعيًّا لكلِّ سياقاتِ الكتابةِ في القرنِ الحادي والعشرين.
دكتورنا الفاضل: ما كانَ كمالًا على الوَرَقِ، قدْ يصبحُ عبئًا ثقيلًا على الشَّاشةِ الرَّقميَّةِ.
لا أدري إنْ كان المؤلّف كتبَ كتابه من أزمنةٍ بعيدةٍ، وبدا له، بعد تقاعده، تقديمه للمكتبة العربيَّة. راودني هذا الشُّعور، وسببه أنَّني لمْ أجده يتطرَّق إلى البديل التِّقنيّ. واحدةٌ منْ أهمِّ النِّقاطِ التي لمْ يتعمَّقْ فيها الكتابُ هي الحلولُ التِّقنيَّةُ؛ ففكرة الكتاب مبنيَّةٌ على جهدٍ بشريٍّ خالصٍ.
في عصرِ الذَّكاءِ الاصطناعيِّ ومُعالجةِ اللُّغاتِ الطبيعيَّةِ؛ لمْ يعدِ الضَّبْطُ اليدويُّ هو الحلَّ الوحيدَ.
لقدْ تطوَّرتْ برامجُ التَّشكيلِ الآليِّ بشكلٍ كبيرٍ، وهي قادرةٌ على ضبْطِ النُّصوصِ بدقَّةٍ عاليةٍ بناءً على تحليلِ السِّياقِ النَّحويِّ والدِّلاليّ. وشخصيًّا، كاتب السطور، لكأنَّه عثرَ على كنزٍ، بعد إتاحة التَّشكيل والضَّبْط اللُّغويّ عبر برنامج “حرف” قبل سنوات..
وجاءتْ ثورة الذَّكاءات الاصطناعيَّة لتحلَّ المشكل تمامًا. فلا يحتاج غير المتخصِّص مثلي، وقد أُوتي مرارًا ووقعَ في أخطاءٍ نحويَّةٍ فظيعةٍ بسبب عدم تعمُّقه في هذا العلم، إلا إلى كتابة أمرٍ بضبْط النَّصِّ وتشكيله، وفي ثوانٍ معدوداتٍ تكون مقالتك أو قصيدتك أو خاطرتك مُصحَّحةً لغويًّا ونحويًّا وإملائيًّا مع تشكيلها المُتقن، في فتْحٍ من فتوحات البشر بأعظم اختراعاتهم عبر التأريخ.
إذًا، قدْ لا تكمنُ المشكلةُ في غيابِ الضَّبْطِ نفسِهِ، بلْ في عدمِ دمجِ هذهِ الأدواتِ التِّقنيَّةِ بفعاليَّةٍ في أنظمتنا التعليميَّةِ ومنصَّاتِ النَّشرِ.
بشكلٍ صريح: لقدْ بنى الكتابُ سدًّا منيعًا، غافلًا عنْ أنَّ العصرَ صارَ يمطرُ حلولًا منَ السَّماءِ التِّقنيَّةِ.
.
في الخُلاصةِ، يُمثّلُ الكتابُ دعوةً علميَّةً رصينةً ومهمَّةً، لكنَّ فكرتَهُ المحوريَّةَ تبدو مثاليَّةً أكثرَ منها عمليَّةً في بعضِ جوانبها، وتُقدّمُ حلًّا شموليًّا لمشكلةٍ قدْ تتطلَّبُ حلولًا مُتعدِّدةً ومُتدرِّجةً تتناسبُ مع اختلافِ السِّياقاتِ والتَّطوُّراتِ التِّقنيَّةِ والعصريَّةِ.
إنَّها معركةٌ بينَ حُبَّينِ: حُبٌّ يخشى على اللُّغةِ منَ العالمِ فيغلقُ عليها الأبوابَ، وحُبٌّ يخشى عليها منَ العزلةِ فيفتحُ لها نوافذَ العصرِ.
يا سادة: اللُّغةُ كائنٌ حيٌّ، نحفظُهُ بالتَّكيُّفِ لا بالتَّحنيطِ؛ فما نفعُ الجسدِ المحفوظِ إنْ فارقتْهُ الرُّوحُ؟
.